أ.د.سلمان الندوي - مستقبل الإسلام في شبه القارة الهندية

مستقبل الإسلام في شبه القارة الهندية

قبل البدء بإلقاء كلمته أظهر الأستاذ الندوي إعجابه باسم معهدنا معهد التفكر الإسلامي، قائلا: في حين أن المعاهد ومراكز البحث الإسلامي في الدول العربية يتخذون بعض الأسماء المعهودة مثل الفكر الإسلامي، والشريعة الإسلامية، والعقيدة الإسلامية وغيرها أسماء لهم، قيام معهدكم باتخاذ هذا الاسم القرآني له لشيء يستحق التقدير والإعجاب. لأن غاية القرآن هي أن يجعل الإنسان يتفكر، كما أشار إلى هذا المعنى في كثير من آياته: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ*الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)

بداية أشار الأستاذ الندوي إلى وجود ثلاثة اتجاهات في التاريخ حاولت تفسير حقيقة الكون وعالم الغيب:

الأول: الفلسفات المتركزة على العقل.

الثاني: الفلسفات المتركزة على القلب والروح.

الثالث: تعاليم الأنبياء الصادرة من الوحي.

بحثُ الإنسان عن الرياضيات والهندسة والطب وما وراء الطبيعة من خلال العقل أدى إلى أن يسأل عن الحقيقة الكائنة وراء كل هذا، عن حقيقة الله وحقيقة الكون والخلق وما إلى ذلك، ولكن بسبب أن هذه العلوم والفلسفات مزيج أوخليط من أفكار كثيرة متأثرة بالبيئة والمجتمع الذي يعيش فيها صاحبها، وأيضا متأثرة بأفكار أخرى بعضها يناقض بعضها جعلت من النتيجة خليطا بين الوهم والخيال أو مزيجا من الحقيقة والباطل. ولهذا اليونانيون والفينيقيون والإيرانيون والأقباط الفرعونيون والسوريون اللآشوريون...الخ لم يستطيعوا أن يكتشفوا حقيقة الكون كما هي، فهم كانوا يتلاعبون بالألفاظ فقط، ولهذا لم يستطيعوا أن يهدوا الشعوب وأن يجعلوا الشعوب يحذون حذوهم.

كان الامام السرهندي أو الرباني مجدد الألفية الثانية تحدث عن العقل المجرد قبل عمانويل كانط وعن كونه ليس في وسعه أن يهدي الإنسان إلى سواء السبيل، لأن العقل إنما هو نتيجة الحواس الخمسة وهذه الحواس الخمسة هي بمثابة منافذ وشبابيك تدخل فيها المعلومات إلى العقل وهو بدوره يعالج هذه المعلومات ويصل من خلالها إلى نتيجة. ومن فقد واحدة أو أكثر من هذه الحواس تكون النتيجة التي يصل إليها ناقصة لأنه لا يستطيع أن يميز ما يستقطبه من الخارج في تمام ماهيته. فالعقل يحتاج إلى معلومات صحيحة والمعلومات الصحيحة لا سبيل للعقل إليها إلا من خلال حواسه، ومن الظاهر أن الإنسان لا يستطيع بحواسه أن يلمس الكون ويعلم ما يحمله من أسرار إلا بطريق آخر يساعده على فهمه.

وهناك من حاولوا أن يصلوا إلى حقيقة الكون من خلال القلب من الإشراقيين والروحانيين والمتصوفة. هؤلاء يرون أن القلب يدرك من الحقائق الكونية والغيبية ما لا يستطيع العقل إدراكه. ولهذا يجب تزكيته وتنويره وتنقيته بحيث يكون كالمرآة الصافية، فإذا حصل للإنسان هذه المرآة الصافية حينها يستطيع أن يرى فيها انعكاس نور الله وملائكته وانكعاس الحقيقة وما يحملها من درر وأسرار. ولهذا نراهم يقللون من الطعام والشراب ولا يخالطون الناس ويفضلون البقاء في العزلة بعيدا عن الناس والحضر. يعيشون في الكهوف والغابات ويظنون أنهم بهذه الخلوات يستطيعون الوصول إلى الله وتزكية قلوبهم وتنوير أرواحهم.

عندنا الهندوس المتنسكون، يتعاملون مع اجسادهم بغية مجاهدة النفس بأشكال ما إن تسمعوا بها تتعجبون كثيرا، منهم من لا يتنفس دقائق، ومنهم من لا يلبس الا اليسير من القماش في حياته، ومنهم من لا ينزل من على شجرة لسنوات، وكل هذا بغية تزكية القلب والنفس. والمسيحيون في الماضي كانوا يأتون بهذه الرياضات الشاقة مجاهدة لأنفسهم، رياضات غريبة ومحيرة. وابتدعوا الرهبانية، يتركون الحضر ويختارون العزلة لكي يكتشفوا بزعمهم أسرار الروح وعالم الغيب.

وكل هذا مما حرمه الله في كتابه العزيز (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا). والصوفية والإشراقيون من المسلمين الذين اتخذوا هذا الطريق من المجاهدات النفسية طريقا لهم إلى الحق دون مراعاة لتعاليم القرآن والسنة لم يصلوا الى الحقيقة لأنهم خالفوا ما أنزل لهم من الوحي. والله سبحانه وتعالى يقول: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) وبهذا العلم القليل لا يستطيع الإنسان أن يدرك أسرار الروح وكيفية التعامل معه وكيف أن الروح تتعامل مع الأرواح الأخرى، أرواح الماضين وأرواح الحاضرين وأرواح من سيأتون في المستقبل.

العقل والقلب لابد لهما من مصدر آخر كي يستطيعا معالجة مسائل الروح والغيب والحقيقة المكنونة وراء هذا الكون، وهذا المصدر هو الوحي، الوحي الذي كان ينتظره الأنبياء ليجيبوا على أسئلة الناس رغم أنهم كانوا يتفكرون أيضا بالعقل والقلب في ملكوت السماوات والأرض، فنبينا محمد (ص) رغم إحيائه الليالي بالصلاة والدعاء والتفكر في الله وأسرار الملكوت حينما كان يسأل في مسألة لا يعرف إجابتها ينتظر الوحي لكي يرشده.

هذا الوحي هو مفتاح الطريق ومفتاح المغاليق والكفيل بالهداية، هذا الوحي بدونه لا يمكن أن يهتدي الإنسان إلى الحق، فلابد من وجوده كي لا يضل الإنسان في هذا العالم، فإنه لما أنزل الله والدانا آدم وحواء إلى الأرض قال لهما (سيأتيكما الوحي مني).

الصحابة هم تلاميذ الرسول (ص)، كانوا يكتفون بالعمل ويهمهم التطبيق أكثر من الخوض في المسائل الغيبية. خلافا لمن جاء بعدهم، كانوا ينظرون إلى المتشابه من الآيات بحسن قلوبهم، لهذا كانوا في مأمن من بعض التلاعبات العقلية في بعض المسائل الإيمانية، مثل البرزخ والحياة الآخرة وما إلى ذلك. آمنوا بما كان ينزل إليهم من الله تالى مباشرة دون تأخير، فهم الذيين أشار إليهم القرآن بالراسخين في العلم وهذا كان منهجهم لفهم الوحي، وسار على نهجهم التابعون وتابع التابعين. ولكن بعد ذلك دخلت أفكار وعلوم جديدة من الدول المجاورة كاليونان وإيران والهند فظهرت بسببها خلافات حول مسائل مثل الجنة والنار والبرزخ وإحياء الأجساد...الخ. وبالأخص في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد حينما قام ببناء بيت الحكمة ببغداد. لكن الله تعالى طوال التاريخ الإسلامي أرسل مجددين بلطف منه يجددون للأمة أمر دينها،  بداية مع الإمام أبو الحسن الأشعري والإمام الماترودي، وبعدهما الجويني والإمام الغزالي والباقلاني وابن تيمية والإمام الرباني السرهندي والإمام ولي الله الدهلوي...الخ، هؤلاء الأئمة كانوا يتشاركون نفس المنهج لفهم القرآن والسنة. وآخرهم أي الإمام الدهلوي اتخذ منهجا لا يفصل فيه بين المذاهب الفقهية والعقدية لأهل السنة ولا يتحيز لطرف دون آخر. وضع منهجا يشتمل على آراء الأشاعرة والماتوريدية والسلفية والمذاهب الفقية الأربعة وينطلق من خلاله إلى النتيجة. وحاول الجمع بين المنهج الفقهي ومنهج أهل الحديث وإخراجهما من الخلافات التي تلبست بهما خلال التاريخ.

وفي شبه القارة الهندية جاء الإمام السرهندي وصرح بقوة بأهمية الوحي وأنه المصدر الوحيد للإنسان، به يستطيع الظفر ببعض من حقيقة الله وعالم الغيب قال هذا عندما كانت فتنة الملك أكبر الضليل الذي ادعى أنه هو نبي العصر بعد مرور ألف سنة على نبوة خاتم النبيين محمد عليه الصلاة والسلام وأنه جاء بشريعة جديدة، فقام الإمام السرهندي أحمد ابن عبد الأحد يؤكد أن النبوة المحمدية هي إلى يوم القيامة وبهدايته نعرف الحق ولابد من التمسك بسنته وسيرته الحسنة. وهكذا نجح الإمام السرهندي بحكمته وإلهام الله تبارك وتعالى له في التصدي لهذا الملك الضال والمضل. وكان ذلك بداية كبيرة لمقاومة رِدّة طاغية في شبه القارة الهندية.

الذي قام به الإمام السرهندي هو عمل المجددين كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله سيبعث على رأس كل مأئة سنة لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها) فمعنى ذلك أنه بعد الأنبياء يتولى المجددون أمر الإصلاح والإرشاد والتربية. وقال أيضا: (يحمل هذا العلم – أي علم الوحي – من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين) هذا عمل المجددين وهذا ما قام به الإمام السرهندي في شبه القارة الهندية. ثم قام الإمام ولي الله الدهلوي بصياغة الفكر الإسلامي والفقه الإسلامي والمنهج الإسلامي، فقام مجددا للعلوم الإسلامية. وأصبحت الأمة الهندية بعده من البصيرة إلى حد كبير وبدأت الدراسات الجادة في التفاسير وفي كتب الحديث وفي علوم القرآن والفقه الإسلامي ...والخ. وكان الإمام الدهلوي وضع منهجا لكل ذلك.

وأيضا تحدث الأستاذ الندوي عن تطورات الإسلام في شبه القارة الهندية فقال حامدا الله تعالى "نجحت حركتنا ونشاطاتنا حتى الآن ورأينا القبول في أكثر الفئات التي تفهم القضية من المثقفين ومن الشباب العلماء وبدأوا يتقاربون حول فكر الإتحاد، فالمستقبل إن شاء الله في الهند يكون مستقبل توحيد الأمة ومستقبل الدعوة الإسلامية الناجحة. وفي أصحاب الديانات الأخرى أيضا هنالك من يستقبلون الإسلام بحفاوة رغم الظروف الشديدة المعقدة لأنهم لا تغنيهم ديانتهم ويعلمون أنها خرافات وأوهام. لهذا مستقبلنا مستقبل زاهر ولامع ومستقبل توحيد الأمة ومستقبل التقريب بين مختلف المذاهب والإتجاهات.

وأشار أيضا إلى حركة ندوة العلماء في تلك البلاد التي قامت في أيام الاستعمار الإنجليزي وخاصة حينما كان هناك اتجاهان متعاكسان، اتجاه دار العلوم الذي كان يخرج علماء شرعيين منغلقين على أنفسهم. واتجاه ثاني، الذي كان يقوده الأستاذ سيد أحمد خان وأقام كلية علي غار الإسلامية ثم اصبحت بعد ذلك جامعة علي غار الإسلامية وكان خريجو هذه الكلية آنذاك حداثيين وعلمانيين وأصحاب أفكار جديدة، وكانت لهم مقالات حول التفسير والحديث تخالف آراء العلماء، وكانت هنالك شبه معركة كلامية وأحيانا اشتباكات، أما السباب والشتائم فكانت متبادلة. ففي هذه الأوضاع المشتعلة حيث كان هنالك أيضا السلفية يهجمون على الحنفية ويثيرون مسائل مثل الجهر بالتأمين والجهر بالبسملة وقراءة الفاتحة خلف الإمام وغير ذلك، وكانت ترفع القضايا إلى المحاكم الإنجليزية وكانوا هم من يفصلون بينهم وفي النتيجة يذل المسلمون. وعند ذلك فكر الإمام سيد علي المنديري مؤسس ندوة العلماء في أن يدعو العلماء من مختلف الفئات إلى مدينة كانفور ليضعوا حدا لهذه الخلافات والمنازعات التي تؤدي بهم إلى المحاكم الإنجليزية ويفكرون في إيجاد حل لاستئصال الخرافات والأكاذيب الموجودة في المجتمع، وكيف يدخلون مناهج أقرب إلى مادة العصر إلى المناهج الدراسية الموجودة، وكيف يمكن أن تكون ندوة العلماء جامعة بين دار العلوم وبين جامعة علي غار ويكون جسرا بين هاتين المؤسستين. فقامت بدورها على احسن وجه واستطاعت أن تجمع بين هذين التيارين، وقامت بإقامة احتفالات يحضرها العلماء والمثقفون والعامة وكانت مؤثرة جدا. ولكن بعد انفصال العلامة الشبلي النعماني الذي كان من المؤسسين لحركة ندوة العلماء واختلاف عميد ندوة العلماء معه وبعض الرجال التقليدين، لأن العلامة الشبلي كان يريد أن تبدأ دراسة السانسكريتية والهندية والإنجليزية بقوة حتى يتخرج علماء معاصرون إلا أن وجود مضايقات وممانعات من قبل البعض له أدى إلى تركه لندوة العلماء مما أضر بالحركة. ثم حافظ على دار العلوم الشيخ عبد الحي الحسني ولكنه توفي في عام ثلاثة وعشرين، فانتهت الاحتفالات التي كانت تقام في الولايات وأصبح محلها جمعية العلماء وحزب المؤتمر الوطني وحزب العصبة الإسلامية وأصبح هناك صخب وفوضاء عارمة، عند ذلك ضعفت حركة ندوة العلماء، وحاول الشيخ أبو الحسن أن يحيي هذه الحركة فأقام احتفالا عالميا للتعريف بحركة ندوة العلماء وإحيائها عام خمسة وسبعين. استطاعت الندوة أن تبقي على نفسها زمن إدارة الشيخ أبو الحسن بشكل أو بآخر، ولكن بعد سنة الألفين لم يبقى من يحمل هذه الفكرة بقوة ويستطيع تنفيذها في المجتمع المسلم، فكان ذلك سببا في إضعاف الحركة. من أهم ميزات الحركة أنها كانت تسير على منهج الإمام ولي الله الدهلوي في معالجة المسائل العلمية، ولكن للأسف بعد وفاة الشيخ أبو الحسن بدأ الناس يتناقشون على قضايا جزئية، من ضمنهم بعض الأسماء البارزة في الندوة، يثيرون المسائل الخلافية الجزئية بدل جمع المسلمين تحت مظلة واحدة.

ونحن بدورنا نريد إحياء حركة ندوة العلماء وإن لم نكن من مسؤولي هذه الحركة، ولكن لاشك أن الحركة هي ملك لشبه القارة الهندية والعالم الإسلامي جميعا لا لمجموعة محددة، ونحاول أن نأتي بالناس إلى مبدأ الحركة ونجمع بين مختلف الطوائف والفئات، ونجعل المجتمع لا يدخل في هذه الجزئيات والفروع من القضايا التي تحرض فئة ضد فئة، ولا شك أن المستقبل هو للجيل الشاب الطالع الطامح يستقبل هذه الدعوة وهذا المنهج، وأخيرا ندعوا الله أن يرجعنا إلى المنهج الذي دعى إليه الإمام ولي الله الدهلوي المنهج الجامع المعتدل المتزن.

 

أشرطة فيديو